ابن خلكان
48
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجفر وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس ، وهو من ذرية رسول اللّه صلى عليه وسلم ، يدعو إلى اللّه ، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى باسم هجاء حروفه ( ت ي ن م ل ) ورأى فيه أيضا أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه ( ع ب د م وم ن ) ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة ، فأوقع اللّه سبحانه وتعالى في نفسه أنه القائم بأول الأمر ، وأن أوانه قد أزف ، فما كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه ، ولا يرى أحدا إلا أخذ اسمه وتفقد حليته ، وكانت حلية عبد المؤمن معه ، فبينما هو في الطريق رأى شابا قد بلغ أشده « 1 » على الصفة التي معه . فقال له محمد وقد تجاوزه : ما اسمك يا شاب ؟ فقال : عبد المؤمن ، فرجع إليه وقال له : اللّه أكبر ، أنت بغيتي ، فنظر في حليته فوافقت ما عنده ، فقال له : ممن أنت ، فقال : من كومية ، قال : أين مقصدك ؟ فقال : الشرق ، فقال : ما تبغي ؟ قال : أطلب علما وشرفا ، قال : وجدت علما وشرفا وذكرا ، اصحبني تنله فوافقه على ذلك ، فألقى محمد إليه أمره وأودعه سره . وكان محمد قد صحب رجلا يسمى عبد اللّه الونشريسي ففاوضه فيما عزم عليه من القيام ، فوافقه على ذلك أتم موافقة « 2 » ، وكان الونشريسي ممن تهذب وقرأ فقها ، وكان جميلا فصيحا في لغة العرب وأهل المغرب ، فتحدثا يوما في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب ، فقال محمد لعبد اللّه : أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس وتظهر من العجز واللّكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس ، لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة ليقوم ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه ، فنصدق فيما نقوله ، ففعل عبد اللّه ذلك . ثم إن محمدا استدنى أشخاصا من أهل الغرب أجلادا في القوى الجسمانية أغمارا ، وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار ، فاجتمع له منهم
--> ( 1 ) زاد في ق : وبلغ أربعين سنة . ( 2 ) ق : فوافقه على ذلك وكانت موافقته أتم موافقة .